عناصر الموسيقى الأربعة الحلقة الثالثة - الهارموني - للموسيقى عناصر أربعة أساسية :الإيقاع واللحن والهارموني والطابع الصوتي

للموسيقى عناصر أربعة أساسية تتكون منها المؤلفة الموسيقية ويخلق منها الملحن موسيقاه: الإيقاع واللحن والهارموني والطابع الصوتي. بالنسبة إلى المستمع العادي فإنه قد لا يتمكن من تمييز كل عنصر على حدة عند الاستماع إلى المقطوعة الموسيقية كاملة، ولكنه يستمع إلى النسيج الصوتي النهائي الذي يتشكل من هذه العناصر مجتمعة. أما بالنسبة للموسيقي أو حتى المستمع الذويق، فإن معرفة هذه العناصر والإلمام بها يعتبر أساسياً. نستعرض في هذه السلسلة نبذة مختصرة عن كل عنصر.

 

بينما اللحن هو العلاقة بين النغمات المتتابعة، والتي تكوّن المسافات والفروقات ما بينها طعم ولون اللحن، فالهارموني هي العلاقة بين النغمات المتزامنة، أي النغمات التي تصل الأذن في ذات اللحظة، والتي تكوّن المسافات والفروقات ما بينها إما توافقاً عذباً أو تنافراً مقصوداً وما بينهما.

 

وتعتبر الهارموني من المبتكرات الحديثة إذا ما قورن بالعناصر الموسيقية الأخرى. فالإيقاع واللحن وصلا إلى الإنسان بطريقة فطرية متصلة بالطبيعة. فمن المسلَّم به تاريخياً أن الإيقاع هو أول نشأة الموسيقى، ويليها اللحن، لأنه إذا كان الإيقاع متصلاً في ذهننا بالحركة الطبيعية فإن اللحن يصاحبه بفكرة تتصل بالشعور. أما الهارمونية فقد نشأت تدريجياً وليدة للفكرة وقد تكون من أكثر ما أنجبه العقل البشري ابتكاراً.

 

ويساعدنا على فهم معنى الهارموني الأصل اليوناني للكلمة، harmonia، التي تعني التوافق والتجانس والإتفاق، والتي تعكس في هذا السياق التوافق بين النغمات المتزامنة. ومن المثير للإهتمام أن تسمية هارموني كانت تطلق على فن الموسيقى، بينما كانت كلمة موسيقى ترمز إلى الفنون بمجملها. ومن ذلك يتضح أهمية مفهوم الهارموني في البناء الموسيقي. وبذلك، تُعرف الهارموني بأنها علم توافق الأصوات، حيت يتم تركيب تكوينات رأسية – أي مكوّنة من نغمات متزامنة، بخلاف اللحن المكوّن من تكوينات أفقية، أي نغمات متتابعة – تسمى تآلفات، تتكون أبسطها من نغمتين إثنتين أو ثلاث أو أربع، وتزداد تعقيداً بازدياد عدد النغمات.

 

والهارمونية كما نعرفها لم تكن معروفة قبل القرن التاسع عشر تقريباً ولو أن لها جذوراً في عهد ابن سينا المفكر الشرقي. وقد بدأت الهارمونية بعزف أو غناء صوتين مختلفين في وقت واحد تستسيغهما الأذن ولا تنفر منهما. وقد انبثق عن هذا الابتكار المبسط بعض الأفكار مثل أن يتحرك الصوت العالي في السير إلى أسفل بينما يتحرك الصوت الأسفل في اتجاه مضاد إلى أعلى أو العكس.

 

وقد تكون دراسة الهارموني بشكل أكاديمي في الغرب بدأت بالصدفة البحتة. فقديماً كان الناس يملأون الساحات العامة والميادين لتحية رؤساء الدول والباباوات في أعيادهم ومواسمهم، حيث يرتلون وينشدون الأدعية وعبارات التهاني في جماعات تضم أعماراً مختلفة وأجناساً متباينة من الرجال والنساء والأطفال، وبالطبع تتفاوت أصواتهم جميعاً، فإذا امتزجت أصوات النساء والأطفال الحادة (السوبرانو) والمتوسطة الحدة (المتزوسوبرانو) والرنانة (الألتو) مع أصوات الرجال الصادحة (التينور) والجهيرة (الباريتون) والغليظة (الباص)، ألفت أنواعاً مختلفة من تعدد الأصوات.

 

وقد فطن أحد عباقرة الموسيقى في القرن العاشر الميلادي وهو الأستاذ (هوكبالد) الملقب بأبي الهارموني إلى هذه الظاهرة وتعرض لشرحها في مؤلفاته الموسيقية، حيث قرر سلاسة امتزاج نغمة الأساس التي يرتكز عليها اللحن بالنغمة الرابعة أو الخامسة من السلم الموسيقي المستخدم، والنتيجة أنه تصدر عن تلك التركيبة أنغاماً متجانسة يرتاح إليها السمع.

 

ثم جاء العالم الموسيقي (جيدو) فواصل أبحاث هوكبالد وأقبل بعد ذلك علماء الموسيقى أمثال مونتفردي، جوزالدو، فاجنر فواصلوا أبحاث هذين الأستاذين، حتى صارت الهارموني علماً قائماً بذاته، ساهم في ارتقاء الموسيقى العالمية في العصور الحديثة.

 

الأسبوع القادم نستعرض الطابع الصوتي، آخر عناصر الموسيقى في سلسلتنا هذه.